يبدأ
المخطط من رؤية استعمارية: دمشق أرض فارغة لاذاكرة
فيها ولاعمارة ولاأحداث تاريخية. يثير الريبة اليوم أن
يسلم شخص من زمن الانتداب مدينة كاملة. وأية مدينة!
عاصمة أول دولة عربية، مدينة مشهورة بخضرتها ومياهها،
أقدم مدن العالم المأهولة، عاصمة أول بلد استقل في
عصرنا الحديث، المدينة التي اختارها ابن عربي وعبد
القادر الجزائري وصاغ فيها فخري البارودي "بلاد العرب
أوطاني"، المدينة التي بقيت دائما سند فلسطين وقلب
العروبة النابض!
قال ايكوشار لمهندسة فرنسية انتقدت مخططه: لاتدافعي
عن دمشق، هذه مدينة قذرة! كان قد سجل منذ أيام
الانتداب أنه يقتلع الأحياء العربية "لأجل النظافة
والجمال"! وبمخططه التنظيمي هدم بناء البلدية التي
أعلن منها استقلال سورية ورفض الوطن القومي الصهيوني،
واقتلع جامع يلبغا، ثاني أثر معماري ثمين بعد الأموي،
وصمم هدم محطة الحجاز وهدم المدرسة الشامية التاريخية،
ونقل المجلس النيابي إلى كفر سوسة لإلغاء مايحمله من
الذاكرة، ورسم فوق حمام القرماني كتلتين من كتله
البشعة، وأفقد دمشق بساتينها، واستولد فئات عقارية
سوّقت هدم البيوت العربية والتجارة بالبحرات والسقوف
العجمية.
ربما سوّغ الوهم بالمعاصرة، تسليم
دمشق لعقل استعماري يتعالى على العمارة العربية! لكن
الرئيس حافظ الأسد أوقف مخطط ايكوشار. وكان يفترض أن
يصوغ الفنيون في المحافظة نصا يلغيه. على كل حال، طويت
منذ عقود "موضة" هدم المدن القديمة، وولدت مؤسسات
ترعاها، وتراكمت توصيات ايكوموس واليونيسكو. أصبح مخطط
ايكوشار مخططا متخلفا بعيدا عن العصر! أليس العجيب،
إذن، أن يُنبش بعد أربعين سنة تقريبا فيقدم بخطوط
محلية؟
فلماذا مثلاً لا يؤخذ آراء المؤرخين
والفنانين والصحفيين في موضوع هدم الأحياء القديمة؟!
فقد نظم استفتاء في سويسرا لنقل شجرة بضعة أمتار، ألا
تستحق دمشق ما يشبه ذلك؟!
اقتلاع السوق العتيق وهو من أسواق
ماحول القلعة التي عاشت منذ ثمانية قرون، خطأ كبير.
وهو مقدمة لتنفيذ "مضمار الخيل" حول المدينة القديمة!
كان هذا المشروع يثير الاستهجان يوم رسمه ايكوشار في
أيام الانتداب. فأي تخلف في أن يصبح شارع الملك فيصل
اوتوسترادا بعد أن استبعد العالم شق مركز المدن بطرقات
السيارة! يستكمل هذا الخطأ بخطأ آخر: الاستملاك الذي
يخرب بيوت الناس. ونحن نتوغل في خصخصة القطاع العام!
منذ وقت طويل تحوم العين على هذا
المقطع من مخطط ايكوشار. أوقف هدم السوق العتيق مرات،
لأن هدمه مسؤولية ثقيلة. فالسوق يتصل تاريخيا بقلعة
دمشق. وسخ؟ أهّلوه ونظفوه! لاينجد من ثقل هذا الخطأ أن
يتوكأ على لجنة صاغت ذات يوم تقريرا بدأته: "ثبت بما
لايحتمل الشك" أن البيت الذي خرج منه يوسف العظمة إلى
ميسلون ليس بيته! فثبت العكس! وقع بعض أعضائها مخطط
ايكوشار، ورأى بعضهم هدم قبة النسر في الجامع الأموي
لأن عمرها فقط خمسمئة سنة! ولماذا تعتمد هذه اللجنة
ولاتعتمد لجنة أخرى أوصت بحماية هوية المدينة
العربية؟! مع ذلك، لايدهشنا أن تضيف محافظة دمشق هذا
الوزر إلى تاريخها! لكن الخطر أن تنقلب وزارة الثقافة
على واجباتها. ألا
نتساءل لماذا
قرر مجلس الآثار في زمن وزراء الثقافة السابقين حماية
أبنية ذات قيمة تاريخية هناك، واتخذ قرارا مناقضا في
زمن السيد رياض نعسان آغا؟ سجل على مديرية
الآثار أنها وافقت على هدمها أو أوصت به. فهل يقبل
العقل أن تشرّع وزارة الثقافة مخططا تنظيميا عقاريا
اعتمدته محافظة؟ أليست مهمة وزارة الثقافة الرفيعة
ترشيد المشروعات السكنية والسياحية، ووظيفتها
ستراتيجية، لاتتصل بالتسويق والمشاريع الاستثمارية!
قد يرى بعض
المثقفين أن انتعاش مخطط ايكوشار وتفريط وزارة الثقافة
في صلاحياتها، أحد تجليات اجتياح السوق. لكن ذلك
لايحدث في بلاد أخرى تحكمها السوق! فهناك حد أدنى من
الوعي يتبين أن المعمل الذي يخصخص قد يستعاد،
لكن مايهدم من المدينة لايستعاد. لذلك نرى أن اقتلاع
السوق العتيق بما فيه والتحضير لاقتلاع شارع الملك
فيصل يقع في سياق عولمة المدن، ومحو الذاكرة
التاريخية، وإضعاف المؤسسات الثقافية. لايستطيع ذلك
الهجوم أن يظهر دائما في شكل سياسي، لكنه ينقض في شكل
ثقافي ومعماري. ويتجاوز حتى
توصية الوثيقة الصهيونية المؤرخة تل أبيب ـ موسكو 1985
التي يستنتج منها حتى الغافل قيمة الهوية المعمارية
الوطنية في المقاومة: "لاتهدموا علنا المعالم
التاريخية والأثرية للشعوب غير اليهودية.. ولكن احجموا
عن ترميمها وستتداعى تلقائيا بعد فترة من الزمن.
وستفككها الغوغاء من هواة الآثار حجرا، حجرا. عليكم أن
تتظاهروا إذ تشاهدون ذلك بانشغالكم الكبير بالقضايا
الاقتصادية. الشعب دون تاريخ كالطفل دون أبوين...
وسيساعدنا هذا أن نقولب عقله بمفهومنا للحياة ونمط
تفكيرنا. بهذه الطريقة يمكن أن تفقد شعوب كاملة وجهها
الحقيقي. في البداية يجب أن تفقد تاريخها وتقاليدها،
ومن ثم سنكوّنها من جديد بشكلنا ونمطنا.
لذلك لابد أن نتساءل في كل مشروع هل
يقوينا في الصراع مع العدو الصهيوني أم يضعفنا. هل
يرضي الرأي العام، ويُشعر المواطنين بأن المسؤولين
يخدمونهم أم العكس. وهل نكسب الغيورين على حضارتنا في
العالم أم نخسرهم. بينت سورية أنها هي التي تلتزم
بالقوانين الدولية وأن عدونا هو الذي يخرقها. كتب أحد
أصدقاء سورية في اليونيسكو: "اسم المشروع توسيع شارع
الملك فيصل. وهو اختراق طريق سريع عبر النسيج الموجود
في الضواحي القديمة الواقعة شمال المدينة داخل السور.
هذا الطريق مرسوم في مخطط ايكوشار سنة 1968.. وسترافقه
عملية عقارية كبيرة منها بناء أبنية ... واستملاكات
..."
وبعد، لاتحكم العواطف الشخصية مطلقا
ماكتبناه أو ماسنكتبه ويمس وزارة الثقافة. بل نقدر
للسيد رياض نعسان آغا قوله إنه قبل أن يكون وزيرا كان
يشاطرنا رؤيتنا إلى المدينة القديمة. لكن لابد من
الإشارة إلى رده علينا بمقالة قصد بها غيرنا أيضا.
نؤكد ببساطة أننا اعتمدنا تصريحه المنشور في العدد
الثاني من مجلة الرواق، وفي العدد 13133 من جريدة
الثورة، وهو تصريح لم يكذبه. قال:
1 ـ "مايعيق تنمية بعض المناطق
يتمثل بالرغبة في تسجيل عمريت وأرواد على لائحة التراث
الإنساني حيث تشترط اليونيسكو عدم المساس بها". وقال:
2 ـ"من الواجب إعادة بناء
أرواد بشكل حديث وجميل وأنيق لذلك يجب تنفيذ المخطط
التنظيمي الذي وضعته محافظة طرطوس لأرواد وتقليص
المناطق الأثرية فيها كيلا تعيق الآثار عمليات
التنمية". وقال:
3ـ "لايمكن أن تعطل مشروعات التنمية
قرنا من الزمان في انتظار التنقيب".
4ـ وضع حماية الحجر ضد حماية البشر،
بالرغم من تلازمهما، فبدا أن الحاجات الوطنية
والإنسانية تناقض حماية أرواد وعمريت.
تقديرا لمكانة وزارة الثقافة كتبنا:
"لايجوز أن تلحق وزارة الثقافة بمشروع الإدارة المحلية
المشغولة بالمساكن، أو بوزارة السياحة المشغولة
بالفنادق، أو بوزارة الاقتصاد المشغولة بالسوق". ومن
حق من يقدر مكانة وزارة الثقافة أن يراها مؤسسة ذات
رؤية استراتيجية رفيعة، وأن يرى مديرية الآثار سلطة
أرفع من سلطة المحافظات وأوسع نظرة من المخططات
التنظيمية والمشروعات السياحية. لأنها تتناول الهوية
الوطنية والبنية الروحية والتراث الحضاري والأثري
والمعماري.
على كل حال، ليست العبرة بالكلام
المرصوف والعناوين الدرامية، بل بالفعل: قدمت وزارة
الثقافة لمخطط ايكوشار إجازة باسم مجلس الآثار. فهل
هذا ثمرة معرفة التاريخ؟ ليست المسألة أن نعرف التاريخ
فقط، بل ماذا نعمل بتلك المعرفة؟. المسألة أن نفيد من
معرفة التاريخ لنثبّت هوية المدن العربية أمام الهجمة
الصهيونية التي تفتقر إلى العمق التاريخي. صاغ فهم
علاقة العمارة بالتاريخ، ومعرفة معايير حمايتها، قرار
مجلس الآثار في 11/1/2004. لكن الضغط العقاري وتعريب
مخطط ايكوشار ساق مجلس الآثار الحالي إلى قرار مناقض
في
27/11/2006.
تفترض معرفة التاريخ معالجة الأحياء
والأسواق العربية بالفرشاة والمعايير العلمية، وحماية
نسيجها الإنساني الذي يحيط بالنسيج المعماري. نجهل تلك
المعايير؟ فلنستشر اليونيسكو ومنظمة المدن الإسلامية!
ألا نستقدم نظام المصارف والبورصة والاستثمارات من
الخارج؟
من يعرف معايير حماية المدن
التاريخية يتساءل الآن:
1 ـ هل ستقدم وزارة الثقافة باسم
مديرية الآثار، إجازة "علمية" لينفذ بقية المشروع الذي
يتناول شارع الملك فيصل فيكسر علاقة داخل السور
بخارجه، ويجعل الأبنية التاريخية وسط بيئة غريبة،
ويمهد لسحب دمشق من سجل التراث الإنساني؟
2 ـ هل ستؤكد حماية النسيج المعماري
والإنساني في حي العمارة وحي العقيبة المهددين بهذا
المشروع؟
3 ـ هل سترفض طرد سكان الحمراوي وعرض
بيوتهم للاستثمارات السياحية؟
4 ـ هل ستتابع طلب إلغاء الاستملاكات
المدرسية وغيرها لتثبّت حماية المدينة القديمة؟
5 ـ